Al Quds Center for Political Studies

Al Quds Center for Political Studies

Share

Al-Quds Center for Political Studies is an independent think tank, established in Amman in 1999

11/06/2026

سوريا ولبنان، وعودة ترامب لحديث "التلازم" و"التلزيم"
كتب: عريب الرنتاوي، مستشار ومؤسس مركز القدس للدراسات السياسية.
11 حزيران/يونيو 2026
فتحت "تغريدة" للرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصته "تروث سوشيال"، الباب من جديد، لحديث عن "دور سوري" في لبنان، ليس من بوابة ضبط الحدود وتقطيع شرايين إمداد حزب الله فحسب، بل بالدعوة لدور سوري فاعل في توجيه ضربات وصفها بـ"الجراحية" للحزب، الذي تتولد قناعة تامة لدى واشنطن وتل أبيب بتعذر استئصاله وتجريده من سلاحه، لا بالقوة، ولا بالمزيد منها.
وأعادت التغريدة ذاتها، التذكير بتغريدة سابقة، في العام الفائت، أودعها موفده إلى سوريا والعراق، وسفيره في تركيا، توم باراك، حسابه الشخصي على منصة "إكس"، توقع فيها عودة لبنان إلى "بلاد الشام"، إن ظلت قيادته على ضعفها وترددها وشرذمتها، فيما القيادة الجديدة في سوريا، تتقدم بخطوات سريعة، لاستعادة زمام المبادرة، ونقل سوريا من مستنقع العزلة إلى فضاءات بناء الدولة والانفتاح على العالم والانخراط في المجتمع الدولي.
وإذ كان طبيعياً أن يستقبل الحزب وبيئته ومناصروه، مثل هذه المواقف بكثير من التحسب والقلق، لأنها تستهدفهم بالأساس، فقد كان لافتاً أن مناوئي الحزب وخصومه، لم يقابلوها بالرفض والاستنكار، وأغلبهم، إن لم نقل جميعهم، لطالما أشهروا سيوفهم في وجه "الاحتلال السوري" للبناني، وعبروا عن مواقف "سيادية"، رافضة ومنددة بفكرة "تلزيم" لبنان لسوريا، واستتباعاً لنظرية "تلازم المسارين" السوري واللبناني، التي نافحت عنها دمشق، ومؤيدوها من اللبنانيين طويلاً.

شيء من الذاكرة
خمسون عاماً مرت على التدخل العسكري السوري الواسع في لبنان، زمن الحرب الأهلية، بطلب ودعوة من فريق "الآباء المؤسسين" لتيار سياسي / طائفي يُعطي نفسه اسماً "سيادياً"، لمواجهة النفوذ المتزايد للفريق الآخر: المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية.
واشنطن، والغرب، وأغلب العرب، لم يمانعوا ذاك التدخل، وارتضوا فكرة "التلزيم"، حتى أن جامعة الدول العربية، ستقرر لاحقاً، توفير مظلة سياسية (قرارات الجامعة) وميدانية "قوات الردع العربية"، والتي سرعان ما ستُخلي ساحاتها، لتبقى القوات السورية تعمل منفردة، تحت راية "الردع" وغطائه...حريٌّ بالذكر، أن ذاك التدخل لم يتحصل فقط على ضوء أخضر أمريكياً، بل والتزم بخطوط حمراء رسمتها إسرائيل، بمساعدة هنري كيسنجر، تَمنع تخطيه جنوب الليطاني، والامتناع عن تحليق سلاح الجو السوري في أجواء لبنان، ونشر قطع بحرية قبالة شواطئه، والتمنُّع عن نشر بطاريات صواريخ سام للدفاعات الجوية على أرضه، مبقية لنفسها حرية الحركة جنوباً وبحراً وسماءً.
وستُجدد الولايات المتحدة بعد تلك الواقعة بأربعة عشر عاماً، "عهود التلزيم" لنظام الأسد-الأب، عندما قايضت انخراطه في تحالف "حفر الباطن" ضد نظام صدام حسين المُحتل للكويت، برأس العماد ميشيل عون، الذي تحصن في بعبدا، رئيساً لحكومة عسكرية، كلفه أمين الجميل تشكيلها، قبيل رحيله عن القصر في مختتم ولايته (1988)، ليصبح للبنان الصغير، حكومتين بدلاً من حكومة واحدة...الثانية برئاسة سليم الحص.
مغزى القول، أن فكرة "تلزيم" لبنان لسوريا، ليست بالأمر العابر في التفكير السياسي والاستراتيجي الأمريكي، فهي مرتبطة بدرجة تساوق دمشق وبيروت، إحداهما أو كلتيهما، مع السياسات الأمريكية في حينه، وبالحسابات الأوسع لواشنطن، وغالباً لتل أبيب.
ومع انطلاق ما أسمي بـ"عملية السلام"، أو مسار مدريد-أوسلو- وادي عربة، خرجت من دمشق، نظرية تلازم المسارين، السوري واللبناني، بما يمنع لبنان من الذهاب في مسار تفاوض وسلام منفرد مع إسرائيل، بانتظار أن يظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود، في المفاوضات العلنية والسرية التي كانت تدور بين دمشق وتل أبيب...نظرية أثارت انقساماً بين اللبنانيين بالأمس، تماماً مثلما هو حاصل اليوم عند الحديث عن تلازم مساري لبنان وإيران، مع تبدل طفيف فقط، في مواقع الأطراف ومواقفها.
واللافت أن واشنطن التي لم تمانع من قبل فكرة "التلزيم" من قبل، لا تسقط اليوم من حسابتها فكرة "التلازم"، ولعل في تصريحات السفير ميشيل عيسى، ما يستبطن احتمالاً كهذا، ولهذا جاء مثيراً لقلق كثرة من "السياديين"، وتسريبات تقول بأن بعض دوائر الدولة اللبنانية، خاطبت واشنطن لكبح انفلات السفير وخروج تصريحاته عن النص المأمول.

التلزيم مجدداً
تعيد تغريدتا ترامب وتابعه باراك، حديث "التلزيم" مجدداً، لا أحد يتحدث عن "تلازم" مساري سوريا ولبنان، فالأولى سبقت الثانية، في ملف التفاوض المباشر، رفيع المستوى، وهو أمر تفضله واشنطن على مختلف المسارات، وتدفع لوصوله إلى خواتيمه الإبراهيمية، برغم الصعوبات والتعقيدات، وعلى المسارين كلاهما، الحديث الأمريكي اليوم، يدور هامساً، وإن بخجل، عن تلازم مساري لبنان وإيران.
في البدء، اقتصر الحديث عن "ضبط الحدود"، وكسر "الهلال" من منتصفه، وتقطيع شرايين الدعم والإمداد من إيران للضاحية...وعندما وجدت واشنطن أن لا مانع لدى النظام الجديد في سوريا من القيام بذلك، وأنه يفعله بحماسة وبدوافع خاصة، ولا يريد من أحد أن يحرضه عليه، ارتفع منسوب الرهانات الأمريكية، وباتت واشنطن تفكر باستدعاء "التلزيم" مجدداً، ولكن هذه المرة، في لعبة "تناوب" على استهداف حزب الله، وقطع رأسه بعد تقطيع شرايينه.
في مقال سابق، استبعدنا أن يدخل الشرع في حرب على الحزب تزامناً مع الحرب الإسرائيلية المشتعلة عليه، تلكم خطوة قد لا يحتملها النظام الجديد ولا بيئته، ولن تكن سهلة الهضم والابتلاع من قبل الشعب السوري، بيد أننا لم نستبعد أن تكون واشنطن تخطط لتقسيم الحرب على الحزب إلى مراحل، تبدأ إسرائيلياً بذريعة "سلامة الجليل"، وتتواصل لبنانياً تحت شعار "حصرية السلاح"، وتستكمل سورياً، بتدخل يأتي بطلب من "الشرعية" اللبنانية، أو فريق من اللبنانيين، في استعادة لسيناريو 1976.
اليوم، وعشية الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة في واشنطن، وفي ظل إدراك الولايات المتحدة لصعوبة فصل المسارين اللبناني عن الإيراني، وبعد تعثر العمليات الحربية الإسرائيلية ضد الحزب الذي دخل حرب استنزاف مريرة ضد قوات الاحتلال، تعود الفكرة مجدداً، لتطرق رأس دونالد ترامب، آملاً بأن تكون أقل كلفة عليه وعلى حليفته، حتى وإن كانت أكلافها باهظة على لبنان وسوريا سواء بسواء.

الموقف من دمشق
حتى الآن، تبدو الأخبار من دمشق، مطمئنة بعض الشيء، الرئيس الانتقالي أحمد الشرع لا يترك زائراً لبنانياً إلا ويخبره بأنه لا يريد التدخل في "زواريب" المشهد اللبناني، ويريد علاقة من دولة إلى دولة، وأن فكرة استدعاء تدخل عسكري سوري ضد حزب الله، من شأنها أن تقلب المشهدين، السوري واللبناني، وربما الإقليمي، رأساً على عقب، وهذا آخر ما تريده سوريا، وهي تخطو أولى خطواتها على طريق التعافي وبناء الدولة وإعادة الإعمار.
وثمة ما يشير إلى أن نظام الشرع، لا يرغب حقيقة القيام بمهمة من هذا النوع، نيابة عن إسرائيل، وأن قائمة أولوياته تتجلى في "الصراع على خطوط الأنابيب والسكك والطرق السريعة"، وأن خصمه ومنافسه في هذا المضمار، هو إسرائيل وليس فريق من اللبنانيين...السقوط في "الفالق الزلزالي المذهبي" الذي حذّر منه سلفه، الأسد -الابن، لا يستقيم مع مشاريع استعادة الدولة وبسط سيادتها وإعمارها، وتحويلها إلى موزع “Hub” للطاقة والترانزيت، ولا مع طموحات استعادة الأمن والاستقرار والسلم الأهلي.
ثم، أن للنظام حلفاء مُقرِرون، لا يريدون لتداعيات صراع مذهبي أن يمتد خارج الجغرافيا اللبنانية والسورية، بل ولا أن يندلع داخل هذه الجغرافيا، وهنا أحسب أن تركيا ستكون آخر من يرغب بتوريط حليفها "الإدلبي" في مستنقع من هذا النوع، كما أن السعودية في أدائها لبنانياً وعلى المسار الإيراني، لا تبدو ذاهبة باتجاه التصعيد و"المنازلة الكبرى"، وما ينطبق على الرياض، ينطبق بالقدر ذاته، وربما أكثر، على الدوحة والقاهرة.
وجاءت رسائل تهديد ووعيد صدرت من فصائل وقوى شيعية عراقية، لترسم صورة أشد تعقيداً للمشهد الإقليمي، من المقاربة التبسيطية الساذجة التي يطرحها ترامب وباراك، فـأي تدخل سوري ضد حزب الله، سيُعتبر حرباً على طائفة بأكملها، داخل لبنان وسوريا وعلى امتداد الإقليم، وهيهات أن يتمكن مشعلو الفتنة من إعادة المارد إلى قمقمه...واللافت أن هذه الرسائل، صدرت في الوقت الذي تعمل فيه بغداد مع دمشق، لرفع مستوى الصادرات العراقية النفطية عبر الموانئ السورية، وسط توقعات متفائلة، بزيادة هذه الصادرات، وربما الانتقال إلى "الأنابيب" كبديل أكثر جدوى، من الصهاريج.
ولدمشق قراءة ذات دلالة، منسوبة للزعيم الدرزي وليد جنبلاط، عن لقائه الأخير مع أحمد الشرع، قال فيها أن الأخير يخشى نصراً إسرائيلياً حاسماً على إيران، لا حباً بالأخيرة، ولكن خشية أن تتموضع الدبابة الإسرائيلية عند أبواب دمشق، صبيحة اليوم التالي، وأحسب أن الشرع الذي اختبر "الدبلوماسية" في محاولته تحييد التهديد الإسرائيلي، ما زال يكابد بعضاً من صنوف التعنت والصلف الإسرائيليين في حوض اليرموك وقمم جبل الشيخ ومساقط المياه، والغطاء الأمني الممدود للسويداء، والتسريبات عن توسعات قادمة، تطال المحافظات الجنوبية الثلاث.
ستظل واشنطن تضغط باتجاه توريط دمشق في إدوار تتسم بالمغامرة، لصالح إسرائيل ونيابة عنها، وستلجأ لكل أشكال الابتزاز والترغيب والترهيب، لكن الأمل ما زال معقوداً، على قدرة دمشق وحلفائها على تحكيم العقل والمنطق والمصلحة العليا، وتفادي الانزلاق إلى قعر هاوية سحيق من الاحتراب المذهبي، الذي قد نعرف متى يبدأ وكيف، ولكننا لن نعرف من الآن، متى ينتهي، وكيف، وبأية أثمان.

08/06/2026

Oraib Al-Rantawi, Founder and Senior Advisor of Al-Quds Center for Political Studies, will deliver a keynote lecture at an online seminar hosted by Sophia Institute of International Relations (SIIR), Sophia University, Tokyo, titled:

“The Aftermath of the War on Iran: The Palestinian Cause in a Changing Regional Dynamics”

📅 9 June 2026
🕤 9:30–11:10 AM (Jordan Time)

Registration:
https://eipro.jp/sophia/events/view/SIIR20260609_ol

Seminar Program:
https://dept.sophia.ac.jp/is/ir/information/event/2026/05/7895

04/06/2026

🎙في حلقة جديدة من نافذة على قدسنا، يتناول الأستاذ عريب الرنتاوي دلالات التوغل الإسرائيلي في جنوب لبنان، وأهمية السيطرة على قلعة الشقيف، وانعكاسات ذلك على المنطقة.
☑ حزب الله لا يخوض معركة دفاعٍ كلاسيكية عن الأرض، بل يعتمد استراتيجية قتال تراجعي تهدف إلى استنزاف جيش الاحتلال بشرياًومادياً.
☑ نتنياهو حاول نصب فخ للمقاومة في لبنان، لكن الأصوات داخل إسرائيل بدأت تتحدث عن وقوع جيش الاحتلال نفسه في فخ الاستنزاف.
☑ رفع العلم الإسرائيلي على قلعة الشقيف يحمل دلالة رمزية ورسالة ترهيب لسكان الجنوب، لكن الروايتين الإسرائيلية واللبنانية تتقاطعان على أن المعركة لم تدر داخل القلعة نفسها، بل في التلال والقرى المحيطة التي شهدت وما تزال أعنف المواجهات.
☑ البيئة الحاضنة ما تزال صامدة، لكنها تواجه أعباءً إنسانية ومعيشية كبيرة، في ظل حاجة آلاف العائلات إلى المأوى والتعليم والعمل، الأمر الذي يتطلب مبادرات سياسية عاجلة لكسر الحصار والتخفيف من المعاناة.
☑ نتنياهو يسابق الزمن، مدركًا أنه قد يُجبر في نهاية المطاف على القبول باتفاق مع إيران، لذلك يسعى لاستثمار المماطلة الأمريكية لقضم المزيد من الأراضي في غزة ولبنان.
🎥قدسنا | 2 حزيران/يونيو 2026

04/06/2026

عن سموتريتش وبن غفير والجزء الغاطس من جبل الجليد
كتب: عريب الرنتاوي، مستشار ومؤسس مركز القدس للدراسات السياسية.
4 حزيران/يونيو 2026
لا يستقيم الحديث عن إيتمار بن غفير دون استحضار توأمه الشقيق في التطرف والفاشية، بتسلئيل سموتريتش، بهما، وأكثر من غيرهما، ترتبط القواعد الناظمة للحكومة والائتلاف المتشكل بعد انتخابات 2022، من التوحش المنفلت، والفاشية المتمددة على الخريطة السياسية والاجتماعية الإسرائيلية، مروراً بالزحف الاستيطاني الذي لم يُبقِ ولم يذر فلسطينياً، والمرشح لاجتياز الحدود مع سوريا ولبنان والأردن، وعربدة المستوطنين وقطعانهم وميليشياتهم السائبة، وتحويل السجون إلى "مسالخ" للقتل والتعذيب والتجويع والإذلال، وليس انتهاءً بـ"الأسرلة "والتهويد للقدس ومقدساتها، إنفاذاً لنظرية "حسم الصراع مع الفلسطينيين بدل إدارته"، ومشروع "إسرائيل الكبرى" بخرائطها المرنة والمرسومة بالقوة الغاشمة.
يلتقي الرجلان في الأهداف و"النوايا السوداء"، ويفترقان، بفعل اختلاف النشأة والمرجعيات، في أنماط الخطاب والسلوك، وفي الأدوات المعتمدة لتحقيق الغايات النهائية...لم يفسد التنافس بينهما على زعامة معسكر اليمين الأكثر تطرفاً، ولا النظرة المتعالية التي يطل بها الأوكراني-الإشكنازي، على "الكردي-المزراحي"، الودّ القائم بينهما، وهو ودٌّ تمليه رغبة عميقة ودفينة، باستغلال ما يعتبرانه، "فرصة تاريخية" لا تتكرر، لإنفاذ مشروعهما القائم على تحطيم "الكيانية الفلسطينية" بكل أركانها: الأرض والشعب والنظام السياسي، وفرض "إسرائيل الكبرى، كأمر واقع، أقله بين النهر والبحر.
على أنه، وقبل الشروع في تشخيص ظاهرة "التوأم الفاشي"، ثمة تنويه واجب، لخطأ يقارفه كثيرون، عن جهل حيناً، أو لغاية في نفس يعقوب أحياناً، عندما يحصرون ظاهرة تفشي الفاشية بالرجلين، متجاهلين دور "ثالثة الأثافي"، بنيامين نتنياهو، في تصعيدهما والاعتماد عليهما، وتثمير الزوايا الحادة في مواقفهما لمقاومة ضغوط الخارج، وابتزاز الداخل، وحشد تأييد الشرائح الأكثر تطرفاً في المجتمع الإسرائيلي خلف حكومته.
وثمة تنويهٍ ثانٍ، واجب كذلك، يمليه إدراك عميق للتحولات التي طرأت على بنية المجتمع الإسرائيلي منذ الانتفاضة الثانية وإعادة الانتشار من قطاع غزة، ومفاده أن الرجلين، وحزبيهما، ليسا سوى الجزء الظاهر من "جبل الجليد"، أما جزؤه الأكبر، الغاطس، فيتمثل في اندثار تيارات اليسار والوسط عن الخريطة الحزبية الإسرائيلية، كنتيجة منطقية للانزياح المنهجي صوب يمين ديني-قومي، تجلى في "صهينة الدين وتديين الصهيونية"، لينشأ تيار مركزي، قومي-صهيوني، عابر للأحزاب وليست محصورة في حزب بعينه، باعتبار أن اليهودية "قومية" وليست ديناً فقط، كما رأى ويرى "الآباء المؤسسون" والقادة الحاليون للحركة الصهيونية.

عن الثنائي الأكثر نهماً وتوحشاً
بخلاف سموتريتش، الذي يستمد اسم عائلته من اسم بلدته في أوكرانيا، وورث التطرف الديني من أسرته المتدينة، ميسورة الحال، فإن بن غفير، جاء إلى السياسة من "قاع المدينة"، وأسرته لم تكن متدينة، ما يجعل من تطرفه "مهارة مكتسبة"، وربما يكون بالغ فيه، ثأراً لماضي عائلته العلماني...الأول لعب دور العقل المهندس لمشاريع الاستيطان، من داخل بيروقراطية الدولة وعبر أدواتها من ميزانيات وتشريعات، بعيداً عن الأضواء وصخب الشارع واستعراضيته، فيما الثاني، استحق لقب "المحرض الشعبوي الرخيص" ضد الفلسطينيين والعرب، وأحياناً ضد اليسار الإسرائيلي ذاته، وحضر في كل تظاهرة وتجمع في الشارع، ولم يفوّت انتهاكاته المتمادية لحرمة المسجد الأقصى، دون التقاط الصور التذكارية.
الأول، اكتسب شخصية "رجل الدولة"، في مرحلة تحولت فيها مؤسساتها إلى العنصرية والتوحش والنهم الاستيطاني، وكان له دوراً في أروقتها التنفيذية والتشريعية في تدعيم هذه التوجهات وتزخيمها...فيما "الكاهاني"، ناشط "موليدت" قبل أن يلتحق بـ"كاخ"، ظل صاخباً في أدائه، حتى أنه لم يجد مكاناً لمصارحة زوجته بحبه لها، سوى "ضريح" باروخ غولدشتاين"، جزار الحرم الإبراهيمي الشريف.
كلاهما لم يخدما في الجيش، بن غفير أعفي من الخدمة لسجله الإجرامي ولانضوائه في حركة محضورة (كاخ)، وبالنظر لوجود 50 لائحة اتهام بحقة، أما الثاني، فقد مُنح رعاية خاصة، أعفي من الخدمة العسكرية القتالية، وقضى وقت مختصر في أعمال مكتبية ملحقة بالأركان الإسرائيلية، ومع ذلك فهما الأعلى صوتاً في تحريض الآخرين على الخدمة، وأصحاب شعار: دعوا الجيش يقاتل وينتصر.
وبرغم عناصر "التفوق الشخصي" التي يتمتع بها سموتريتش على بن غفير، من حيث الخلفية والمؤهلات والنخبوية الاشكنازية، إلا أن حزبه، حزب الصهيونية الدينية، لم يجار يوماً "عظمة يهودية" التي يتربع على رأسها بن غفير، فالأخير، نجح بخطابه الشعوبي، ورقصاته المجنونة وغنائه الهستيري، في جذب قطاعات شعبية، من بينها الشباب المتدين، وتعطيه استطلاعات الرأي قاعدة شعبية تؤهله للحصول على 8-10 مقاعد في الكنيست، أما الأول، فهيهات أن يجتاز عتبة الحسم وفقاً لآخر الاستطلاعات، وهو بالكاد يحظى بأربعة مقاعد (الحد الأدنى للقائمة الفائزة)، وفقاً لقانون الانتخاب، وعتبة الحسم البالغة (3.25 بالمئة)
كلاهما من المستوطنين العتاة، ويخاطبان جمهرة المستوطنين، سموتريتش بنى منزلاً فاخراً، على أرض خاصة فلسطينية مسروقة في القدس، ووالده حاييم يروحام، هو حاخام مستوطنة بيت إيل، وتلقى علومه في "مركاز هارف"، المدرسة التي خرّجت عتاة المستوطنين وكبار قادتهم، فيما الثاني، آثر أن يقيم في بؤرة التطرف الاستيطاني، كريات أربع، والتي تضم بين جنباتهم، عتاة المستوطنين وغلاتهم.
وكلاهما كذلك، رجل الدولة ورجل الشارع، يستمدان مواقفهما وتوجهاتهما الرئيسة في كل المسائل الحساسة، من مرجعياتهما الروحية (الحاخامية)، سموتريتش ما زال يخضع لأفكار معلمه وأبيه الروحي، الحاخام زلمان ميلاميد، ويستلهم إرث الحاخام تسفي كوك، مؤسس حركة غوش إيمونيم، فيما بن غفير، يحرص على الرجوع لحاخام كريات أربع، دوف ليؤور، الأب الروحي لباروخ غولدشتين، وهو مدين دائماً لمئير كاهنا والتيار التي حمل اسمه.

الجزء الغاطس من جبل الجليد
لم يكن انتقال الصهيونية الدينية وأخواتها، من هامش الخريطة الحزبية الإسرائيلية إلى مركزها، ليحدث بين عشية وضحاها، بل جاء نتيجة انزياحات في التركيبة السكانية-الاجتماعية للمجتمع الإسرائيلي، بعد أن أفل عصر الهيمنة الأشكنازية – العلمانية (الساحلية)، التي قادها "الآباء المؤسسون"،
فالعلمانيون، الذين هم في غالبيتهم من الأشكيناز، لا يتخطون اليوم حاجز الـ40 بالمئة من السكان، وهم في تناقص بفعل معدلات إنجاب منخفضة، هي الأدنى من بين مختلف المكونات الاجتماعية في إسرائيل، فيما يشكل "المحافظون"، الذين يمارسون بعضاَ من التزاماتهم الدينية قرابة ربع السكان ومعظمهم من اليهود الشرقيين، ويمثل المتدينون القوميون قرابة 12 بالمئة من السكان، فيما الحريديم الأرثوذكس، يناهزون الـ15 بالمئة من السكان، ويتوقع أن يصلوا إلى ربع السكان بعد ربع قرن على أبعد تقدير، والفئتان الأخيرتان تحتفظان بمعدلات مواليد أعلى من بقية الشرائح، وبنسبة تصل إلى 6.5 مواليد للعائلة الواحدة (سموتريتش 7 أولاد وبن غفير 6).
ولم يعد ظهور التيارات الدينية-القومية المتطرفة، يقتصر على مسرح السياسة (حكومة وكنيست)، بل أخذت تتوغل في مؤسسات الدولة العميقة، ففي الجيش على سبيل المثال، يشكل أنصار الصهيونية الدينية (12 بالمئة من السكان) قرابة 40 بالمئة من خريجي المعاهد العسكرية التحضرية، ونخبة ضباط الميدان، وهم يتسلقون هرم القيادة في الجيش، وما هي إلا سنوات قلائل، حتى تحال النخب الاشكنازية العلمانية القديمة، إلى التقاعد، ليحل محلها جنرالات مدججين بالإيديولوجية الدينية القومية المثقل بخطاب الكراهية.
وإذا كان اختراق الشباك في مواقعه العليا، ما زال أمراً صعباً على هذا التيار، لخلفيته العلمانية الصلبة، فإن مستوياته الكادرية والقاعدية، باتت مسرحاً لنفوذ ضباط ومنتسبين من هذه الفئة، وتشير مصادر غير رسمية وغير نهائية، إلى أن العدد الأكبر من قتلى الجيش في حروب السنوات الثلاث الفائتة في لبنان وغزة، هم من أتباع و"حواريي" الصهيونية الدينية...أما الاختراق الأكبر الذي حققته "عظمة يهودية" فكان في جهاز الشرطة الذي يتولاه بن غفير بحكم موقعه كوزير للأمن القومي، إذ بات الجهاز برمته يتصرف كـ"مليشيا" تعمل جنباً إلى جنب، مع مليشيات المستوطنين التي دعمها وسلحها وحصنها بن غفير من موقعه الحكومي.
ولعل المعركة على القضاء، المحكمة العليا والمستشارة القضائية للحكومة، هي واحدة من الساحات الأخطر، لهجوم اليمين المتطرف على مؤسسات الدولة العميقة، بعد أن كان سجل نجاحات ملموسة، في اختراق الساحة الإعلامية، والسيطرة على كثيرٍ من وسائطها المكتوبة والمرئية والالكترونية.

تهديد عابر للحدود
بتناغم منقطع النظير، وبدفع وابتزاز من الصهيونية الدينية، تعمل حكومة نتنياهو، على إتمام تنفيذ "خطة الحسم"، سموترييتش يتولى تقويض السلطة مالياً وابتلاع الأرض بتشريعات وضعت أكثر من 80 بالمئة من أراضي الضفة الغربية في خانة "أملاك الدولة" الجاهزة لابتلاع التوسعات الاستيطانية المتسارعة، فيما بن غفير يتولى أمر ترويع السكان الأصليين بالهجمات اليومية على أرواحهم وأرزاقهم، بهدف تفريغ مناطقهم، بدءاً بالمنطقة (ج) وليس انتهاء بمحو الفواصل بين مختلف خطوط أوسلو وخرائطه وتقسيماته، كما أن الرجل لا يكف عن التغني بمنجزاته في السجون التي أحالها إلى جحيم مصبوب فوق رؤوس ما لا يقل عن عشرة ألاف أسير فلسطيني، وهو يريد التسريع في إنجاز "طابور الإعدام" للقضاء على أسرى حماس و7 أكتوبر، جماعات وليس فرادى.
وفي كل ما يتعلق بلبنان وسوريا، فهما الأكثر حماسة لشعار "دعوا الجيش ينتصر"، ونشر الاستيطان في جنوبي البلدين بوصفه خط الدفاع الأول عن إسرائيل، أما حكاية "الوطن البديل" فقد سخر منها سموتريتش بالأمس القريب، حين قال: ومن ذا الذي يرغب بوجود ملايين الفلسطينيين على طول الحدود مع الأردن، التهجير يتعين أن يتجه لمنافي بعيدة وليس قريبة، والأردن ليس وطناً بديلاً، بل جزء من أرض إسرائيل.
وهنا نختم هذه العجالة بالقول، أن صعود اليمين الأكثر تطرفاً، ورمزاه الأكثر بشاعة، بن غفير وسموتريتش، لا يهدد "حل الدولتين" ولا يقطع الطريق على أي "مسار ذي مغزى / لا رجعة عنه" لقيام كيانية فلسطينية على أرض فلسطين، بل ينذر بابتلاع المزيد الأراضي العربية شمالاً وشرقاً، وبنشر استيطان عابر للحدود، وتهديد كيانات في وجودها وليس في أمنها واستقرارها فحسب، ومع ذلك، هناك من بيننا من لا يزال يراهن على السلام كخيار استراتيجي وحيد (الأنكى وحيد) مع إسرائيل.

03/06/2026

رسالة إلى حزب الله...الغموض لم يعد بناءً ولا بديل عن مبادرة سياسية تواكب الميدان؟!
كتب: عريب الرنتاوي، مستشار ومؤسس مركز القدس للدراسات السياسية.
3 حزيران/يونيو 2026
أكملت معركة "العصف المأكول" شهرها الثالث، من دون أن تلوح في الأفق، بوادر نهاية قريبة لها، إذ حتى بفرض نجاح طهران في فرض معادلة تلازم المسارين ومدّ مفاعيل وقف إطلاق النار إلى الجبهة اللبنانية، فإن من المشكوك فيه أن تتمكن عبر طاولة إسلام آباد، من فرض انسحاب إسرائيلي عن الأراضي اللبنانية التي يتوسع العدو في احتلالها.
الحزب ومقاتلوه، أبلو بلاءً حسناً في ميادين المواجهة، وأحالوا حياة الجنود ومستوطني الشمال إلى كابوس يطاردهم ليل نهار، وعداد الخسائر في صفوف القوات الغازية، لا يتوقف عن الدوران، تلكم حقيقة، تنطق بها وسائل الإعلام العبرية وتصريحات وتسريبات كبار قادة المستويين الأمني والسياسي في تل أبيب، وإن كان بعض الثرثارين، يجهدون في طمسها أو الحطّ من قدرها.
هي معارك استنزاف حقيقية يخوضها الحزب بلا كلل ولا هوادة، دفعت بمراقبين ومحللين إسرائيليين، للقول "إن نتنياهو قد وقع في ذات الفخ الذي نصبه لحزب الله"، وأن رهاناته وأوهامه حول "سلامة الجليل"، تتبدد يومياً على وقع القصف الصاروخي وبالمسيّرات، الذي يضرب إسرائيل من شمالي شمالها، ويعطل الحياة في "مستوطنات الغلاف" وبعض مستوطنات العمق كذلك، ويتسبب في تهجير ما لا يقل عن ثلاثين ألفاً من المستوطنين.
لمثل هذا القتال الباسل، يتعين أن ترفع القبعات، ويستحق الرابضون على خطوط النار، كل الدعم والإسناد، إن لم يكن بالوسائل المادية، فلا أقل من "الكلمة الصادقة" المعبرة عن المشاعر الحقيقية، والالتزام المخلص بنواميس الأرض والسماء: قتال المعتدين والمحتلين، واجب أخلاقي وإنساني وديني ووطني وقومي، لا غبار عليه ولا مندوحة عنه.

مقاومة في بيئة متغيرة
لكن، وكما يتضح للقاصي والداني، فإن الحرب التي يخوضها حزب الله، إنما تندلع وتتواصل في ظروف بالغة الصعوبة والتعقيد، ليس من الناحية الميدانية فحسب، بل من الناحية السياسية كذلك...فالسلطة هذه المرة، ترفع عقيرتها بالعداء والحظر، مدعومة بنصف اللبنانيين على أقل تقدير، والبيئة العربية الرسمية التي لم يُعرف عنها دعمها للمقاومة، أي مقاومة، تتميز مواقفها باستعداء الحزب، وتسارع إلى تصنيفه في قوائمها السوداء للمنظمات الإرهابية، وتستعجل كما واشنطن وتل أبيب، لحظة الخلاص منه ومن وجوده، فيما المجتمع الدولي، يقف صامتاً عاجزاً عن كل حراك، باستثناء خطوات "رفع العتب" تصدر عن "الأم الحنون" بين حين وآخر، كما في الدعوة الفرنسية لانعقاد عاجل لمجلس الأمن الدولي.
صحيح أن هذه الظواهر والمواقف، ليست جديدة تماماً على الحزب وبيئته وقيادته، فقد مرّ بما يشبهها من قبل ونجا، وبقي وتَمدد...لكن في السياسة من الخطأ الركون إلى مثل هذه الخلاصة، واعتبار أن ما يجري إنما يندرج في باب تحصيل الحاصل، فمواقف هذه الأطراف، ذهبت بعيداً في شططها المعادي، وإلى درجة غير مسبوقة، من مثل قرارات حظر الجناح العسكري والأمني للحزب في لبنان، وتصنيف دول متزايدة الحزب كمنظمة إرهابية...ويزيد من خطورة الظاهرات الجديدة، أنها تأتي على خلفية الحرب على إيران ومواقف هذه الدول من ردود الأفعال الإيرانية التي طالب أهدافاً في عمقها...الحصيلة واحدة، وأن تعددت مبرراتها ودوافعها.
والحزب يقاتل في بيئة إقليمية متغيرة، سقط نظام الأسد وانسدّت من بعده شرايين الإمداد والتزود وسلاسل التوريد، والإطار التنسيقي في العراق يتفكك على وقع انقساماته الداخلية، وفصائل مسلحة تسارع للتعبير عن استعدادها لتسليم السلاح (ويقال بيعه) للدولة وحكومة السيّد الزيدي، ودائماً تحت ضغط مركب: عصا العقوبات والاستهدافات الأمريكية من جهة، وجزرة توزيع كعكة السلطة والثروة من جهة ثانية، إذ لم يبق على "عهده" سوى عدد أقل من الفصائل التي انضوت ذات يوم، تحت راية المقاومة الإسلامية العراقية، وأسهمت في فتح جبهات إسناد لغزة وحزب الله، ولاحقاً إيران.
والحزب يقاتل هذه المرة، في مواجهة استراتيجية جديدة للعدو، تستمد مفرداتها من خطاب التوحش والإبادة والتطهير والتهجير والتجويع والترويع والأحزمة الأمنية، أدت من ضمن ما أدت إليه، إلى تسوية عشرات القرى الجنوبية بالأرض، وهجّرت أكثر من مليون مواطن، ودمرت ألوف المنازل والأعيان المدنية، سيما في الجنوب والبقاع والضاحية.
صحيحٌ أن العدو لم يكن يوماً "رؤفاً" بالمدنيين، ولم يخضع في كل حروبه لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا للأعراف الراسخة في التعامل مع المدنيين زمن الحرب، لكن الصورة هذه المرة تبدو أشد بشاعة وأكثر قتامة، فاستهداف المدنيين لم يعد "عرضاً جانبياً" للحرب، بل هدفاً قائماً بذاته، ومقدم في بعض الأحيان، على هدف القضاء على القوة القتالية الصلبة للحزب، في ظل إدراك مستمد من تجربة الحرب على غزة، مفاده أن استهداف بيئة المقاومة، لا يقل أثراً وتأثيراً عن استهداف المقاومة ذاتها، بل وربما يكون أشد مضاءً، سيما وأن هذا الكيان الإجرامي، يشعر أنه ما زال محصناً ضد الإدانات والعقوبات والإجراءات التأديبية الرادعة، وقديماً قيل: من أمن العقاب أساء الأدب.
المقاومة اللبنانية خبرت استراتيجية "الحزام/الشريط الأمني"، وانتصرت عليها في ذلك اليوم المشهود من أيار 2000، لكن هذه الاستراتيجية باتت اليوم، أكثر اختلافاً عن سابقتها....لم يتهجر سكان الجنوب من قبل وظلوا – غالبيتهم - في بلداتهم وقراهم، تحت الاحتلال والسلطة العميلة، هذه المرة، تقتضي الأحزمة، إفراغ المنطقة المستهدفة، من مقاومتها وأهلها، وتقطيع سبل عودتهم إلى ديارهم، من خلال تطبيق عقيدة رفح وبيت لاهيا وبيت حنون، ما يعني أن ملف النزوح وعودة النازحين ليس مطروحاً على جداول الأعمال الوشيكة، لا في واشنطن ولا في إسلام آباد، أقله ضمن حدود "الخط الأصفر"...والخطوط الصفراء بات ركناً ركيناً في استراتيجية "الأمن القومي" الصهيونية بوصفها درساً مستفاداً من "التجربة المرة" للسابع من أكتوبر، وإسرائيل اليوم تحتل أكثر من ألف كيلومتر مربع جديدة، من أراضي غزة وسوريا ولبنان، فيما الضفة الغربية تكاد تتحول برمتها إلى "خط أصفر"، توطئة لمد "الخط الأخضر" إلى نهر الأردن.
وخلف عملية التهجير المنهجي المنظم، تتظهّر ملامح "هندسة ديموغرافية"، تطل برأسها في ثنايا التصريحات والتسريبات الإسرائيلية، تستلهم (وتطور) بعضاً من دروس هذه "الهندسة" في غزة والضفة، وقبلها في مناطق 48، مع كل ما تستبطن من مخاطر التوتير والاستقطاب بين المكونات اللبنانية ذاته، سيما بوجود "آلة ضخ إعلامية-دعائية" عملاقة، تروج لأبشع السيناريوهات وأشدها خطورة على الداخل اللبناني.
وربما يكون في خلفية المشهد، سيما إن "صمتت المدافع" من دون حلول جذرية لقضايا الانسحاب والأسرى وإعادة النازحين، سعيٌ لإدخال لبنان في طورٍ جديدٍ من هذه الحرب، يبدأ بافتعال مواجهات داخلية بين الأطراف، وينتهي باستدعاء تدخل عربي-دولي لإنقاذ المكونات والكيانات الأخرى، في استعادة مأسوية لسيناريو التدخل السوري في لبنان قبل خمسين عاماً، ودائماً تحت مظلة عربية من طراز "قوات الردع العربية"، وبتنسيق وخطوط خضراء وحمراء مع واشنطن وتل أبيب...قد يقول قائل، أننا ذهبنا بعيداً في "التقدير المتشائم"، وهذا صحيح، ولكن هل كنا لنتخيل، حتى أسوأ كوابيسنا، ما يحصل اليوم، في غزة والجنوب وعلى امتداد المنطقة؟
تدرك إسرائيل، ومن خلفها الولايات المتحدة، أن لا حل عسكرياً لقضية الحزب وسلاحه، وأن لا قبل لها على الأثمان التي ستتكبدها إن هي وسعت نطاق احتلالها إلى ما هو أبعد من الجنوب، وربما لن يكون في إسرائيل، لا اليوم ولا غداً، حكومة قادرة على تحمل عبء هذه الأثمان وأوزارها...لكن ذلك ينبغي أن يدفع على القلق، لا على الاطمئنان، فثمة في الداخل والخارج، من هو مستعد لاستكمال المهمة، تحت صيغ وبمبررات شتى، وبغطاءات لن يصعب توفيرها، كما تشي بذلك البيئة العربية الرسمية المتخاذلة، والشعبية العاجزة.

نحو مبادرة سياسية تواكب الميدان
يراهن الحزب على "تلازم المسارين" اللبناني والإيراني، ومائدة إسلام آباد لوقف هذه الحرب وإزالة آثار العدوان، وهو رهان مُحقّ، ولكنه مُحقٌ بصورة جزئية فقط، فإيران وإن نجحت في تحييد بيروت والضاحية (مع بعض الخروقات)، لم تستطع في جولات التفاوض السابقة، مدّ وقف النار إلى الجنوب والبقاع، وإيران غداً، ربما تستطيع وقف النار في عموم لبنان، ولكنها لن تستطيع أن تفرض انسحاباً إسرائيلياً من الجنوب وعودة سكانه، ساعتئذ سيبقى الاحتلال لمناطق مهمة من الجنوب قائماً، وستظل أعداد كبيرة من النازحين في مراكز الإيواء والمواقع البديلة، وسيبقى الأسرى في زنازينهم.
يتعهد الحزب محقاً، المضي في مقاومته، ما دام الاحتلال جاثماً على صدور الجنوب والجنوبيين، لكن تحرير الجنوب هذه المرة، كما في المرة السابقة، ليس مسألة أيام وأشهر، بل مسألة سنوات وربما أبعد من ذلك، فكيف سيجيب على أسئلة البيئة الحاضنة، التي تتحمل اليوم، ما تنوء بحمله الجبال، المشهد اليوم مغاير للمرحلة الممتدة من 1982-2000، جنوبياً وداخلياً وإقليمياً.
يفضي ذلك من ضمن ما يفضي، إلى اشتداد الحاجة لتفعيل "السياسة" في إداء الحزب، جنباً إلى جنب مع أدائه الفاعل في الميدان...فأن تكون مقاتلاً جيداً، شرط وجود، والحزب قاتل بكفاءة واقتدار مشهودين، لكن ذلك لا يكفي لتحقيق الأهداف، لجلب المنفعة أو درء الضرر على أقل تقدير.
يتعين على الحزب ألا يَبقى في موقع من يعلق أو يقدم ردود الأفعال على المبادرات المعروضة من أطراف عدة، أهمها ما يجري على مسار واشنطن...على الحزب أن يتقدم بمبادرته الخاصة للبنانيين، سلطة ورأي عام، والأهم لجمهور المقاومة وبيئتها...ما الذي يقبله بالسياسة، وكيف يفكر بقضايا التحرير والانسحاب وعودة النازحين والأسرى والإعمار، واستتباعاً، عليه أن يجيب على سؤال: كيف ينظر الحزب لنفسه ودوره، إن على مستوى الإقليم (في علاقاته مع طهران وبقية أركان المحور) أو على المستوى الوطني اللبناني، ومن ضمن ذلك، كيف ينظر الحزب لسلاحه وموقعه فيما يعرف "الاستراتيجية الدفاعية" للبنان؟
حتى الآن، يُبقي الحزب أوراقه قريبة من صدره، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالسلاح والاستراتيجية الدفاعية، والغموض هو سمة ردود قادته عندما يُسألون عن مستقبل السلاح، بفرض إتمام إسرائيل انسحابها وعودة النازحون إلى قراهم بعد إعمارها وإعادة الأسرى إلى عائلاتهم، والحقيقة أن الغموض قد يكون بناءً في بعض الأحيان، وقد لا يكون كذلك في أحيان أخرى، وفي ظني أن الحزب يقترب من ولوج عتبات "الغموض غير البناء"، حين يتعلق الأمر بهذا المسائل.
موضوعياً، قادت تطورات ما بعد السابع من أكتوبر في المنطقة، إلى "انتفاء" الدور الإقليمي للحزب، فلا غزة حاضرة على موائد إسلام آباد، ولا الإسناد لها، بات محوراً في أدبيات الحزب وبياناته منذ اتفاق السابع والعشرين من تشرين الثاني 2024، أما بقية "حلقات المحور"، فتخضع على نحو متزايد لمسارات وسياقات محلية، تنتفي معها الحاجة لدور إسنادي (وأحياناً قيادي) من قبل الحزب، سيما بعد الثامن من ديسمبر 2024 في سوريا.
ما الذي سيتبقى من هذا الدور الإقليمي، فيما إيران تصر في تفاوضها مع واشنطن على إنهاء الحرب، وعدم تكرارها، وليس إنجاز هدنة مؤقتة أو اتفاق لوقف إطلاق النار، وتعتبر ذلك مكسباً وشرطاً مسبقاً، وفيما بقية حلقات المحور، ستجد نفسها طائعة أم مرغمة، للتعامل مع معطياتها المحلية، بأدوات جديدة وأشكال مختلفة المشاركة، وغالباً في ظلال حكوماتها وبالشراكة مع مكونات مجتمعاتها الأخرى.
وموضوعياً كذلك، الحزب سيبقى لاعباً على الساحة الوطنية اللبنانية، الأمر الذي يعيّن عليه الإجابة على سؤال عند أي نقطة يصلها لبنان يمكن القول معها أن الحاجة الوطنية للسلاح قد انتفت، وهل يعتبر أن إنجاز الأهداف الأربعة المُجمع عليها لبنانياً يُتِمُّ برنامج التحرر الوطني اللبناني، أم أنه سيدّخر سلاحه لمعارك لاحقة، وحروب محتملة في قادمات الزمان...الحزب، بعد كل الخراب والدمار الذي حلّ ببيئته الحاضنة، بحاجة للإجابة على سؤال عن موقعه في النظام اللبناني، وهل سيبقى "زاهداً" كما كان قبل "التحرير" بالمشاركة والتمثيل، أو "متعففاً" بعد التحرير، لصالح تحالفه مع "أمل"، أم أنه تحت ضغط الحاجات الضاغطة لبيئته، سيكون مرغماً على تفعيل دوره ومشاركته وتمثيله داخل المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهنا يُفتح قوسان لحديث عن "الطائف" تطبيقاً أو تعديلاً، وليس في ذلك مثلبة، طالما أن العمل على هذا الأمر سيتم بالطرق الشرعية والدستورية، وعبر موائد الحوار الوطني ومختلف أشكال التعبير الشعبي السلمي.
في ظني أن مبادرةً تصدر عن الحزب، تلحظ التزامن والتوازي بين تحقيق أهداف لبنان الأربعة الكبرى من جهة، ومسار ذي مغزى للاندماج في مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والسياسية، وفي إطار حوار وطني واستراتيجية للأمن والدفاع، تنتهي إلى "حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم"، يمكن أن تكون "استراتيجية مخرج" مناسبة، لا للحزب وبيئته فحسب، بل وللبنان كذلك...فإن نجحت المبادرة في تحقيق مراميها، وأمكن للبنان أن ينتزع مطالبه الرئيسة، كان به، وإن أخفقت على صخرة التعنت والشهية التوسعية الإسرائيلية، يكون الحزب قد أزال عن كاهله، ضغوطاً كبيرة، وبرهن أنه جزء من الحل وليس سبباً في التأزيم، أن مقاومته ستكون قد استعادت زخمها الشعبي في أوساط متزايدة، من داخل بيئته وخارجها.
حسم هذه المسألة، لا يعني أن ليس ثمة طوفان من التفاصيل والأولويات التي يتعين أخذها بنظر الاعتبار، إن لجهة ضمان التزام إسرائيل بقسطها من أي تفاهمات، وهي التي لم تعتد الالتزام أبداً، وتوفير ضمانات إقليمية ودولية لأي اتفاق من هذا النوع، بما فيها تلك المتصلة بدور الحزب ومستقبله وشروط ازدهار بيئته الاجتماعية التي دفعت من بين كل اللبنانيين، الثمن الأكبر في جميع حروب لبنان والحروب عليه.
نحن لا نعرف من الآن، كيف سيكون شكل الاندماج إن حصل، لكننا نعرف أن تجربة "الحشد الشعبي" في العراق تترنح تحت ضغط الداخل والخارج، والنية تتجه لدى أغلب الفصائل للاندماج بالدولة ومؤسساتها، فيما الحديث عن "حرس وطني" يصطدم بإشكالية "الجغرافيا الشيعية" التي منحت الطائفة مكانة متميزة، لها ما لها وعليها ما عليها، إذ جعلت من انتشارهم على الحدود الجنوبية مع إسرائيل والشرقية مع سوريا، ميزة وعبء في الآن ذاته، لكن ما نحن واثقون منه، أن العقل اللبناني "الجمعي"، قادر على اجتراح صيغة تنسجم مع حساسيات الحالة اللبنانية وتعقيداتها...كلمة السر التي يتعين أن ينطق بها الحزب، أنه جاهز لمثل هذا الخيار، حال نضجت شروطه، وعليه ألا يُبقي المسألة غامضة ومعلقة في الهواء، فالغموض الذي كان بنّاءً ذات يوم، لم يعد كذلك اليوم.

Want your business to be the top-listed Government Service in Amman?

Click here to claim your Sponsored Listing.

Location

Telephone

Website

Address


Amman

Opening Hours

Monday 09:00 - 17:00
Tuesday 09:00 - 17:00
Wednesday 09:00 - 17:00
Thursday 09:00 - 14:00
Saturday 09:00 - 17:00
Sunday 09:00 - 17:00